الشيخ محمد زاهد الكوثري

139

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

بذلك ، ولم يرد أنهم خلقوهم . وكذلك قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ إبراهيم : 30 ] يعني سموا . وكذلك قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) [ المائدة : 103 ] وفي القرآن مثل هذا كثير . الجواب الثاني : أنه أراد : إنا جعلنا قراءته وتلاوته بلسان العرب ، وأفهمنا أحكامه . والمراد به باللسان العربي ، وتكون الفائدة في ذلك الفرق بينه وبين التوراة والإنجيل ، لأنه جعل تلاوة الكتابين المذكورين وإفهام أحكامهما باللسان العبراني والسرياني ، وجعل تلاوة هذا الكتاب وإفهام أحكامه والمراد به بلسان العرب ، ولو عرفوا الفرق بين التلاوة والمتلو لم يموهوا بمثل هذا التمويه . والجواب الثالث : أن الجعل إذا عدي إلى مفعول واحد كان ظاهره الخلق ، وإذا عدي إلى مفعولين كان ظاهره الحكم والتسمية ، في أكثر الاستعمال . ولذلك لا يجوز أن يقول القائل : جعلت النجم والرجل ، ويسكت حتى يصله بقوله : جعلت النجم هاديا ودليلا ، وجعلت الرجل صديقا وصاحبا . فلما قال اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزّخرف : 3 ] تعدى إلى مفعولين ، فيكون بمعنى الحكم والتسمية . فإن احتجوا بقوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النّحل : 101 ] وقالوا : ما يغير ويبدل فهو مخلوق لا محالة ، قلنا : هذا جهل منكم أيضا ، وذلك أن التبديل والنسخ إنما يكون ويتصور في الرسم من خط أو تلاوة ؛ أو في حكم ، فيكون تقدير الكلام : وإذا بدلنا حكم آية أو تلاوة آية ، دون المتلو القديم الذي لا يتصور عليه تبديل ولا تغيير ، وقد بيّن ذلك سبحانه وتعالى وأخبر أن كلامه القديم لا يغير ولا يبدل . دليل الأول : قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النّحل : 101 ] يعني حكم آية أو تلاوتها . ودليل الثاني : قوله تعالى : وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ [ الأنعام : 34 ] وقوله تعالى : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [ الأنعام : 115 ] فأخبر تعالى أن التبديل يتصور في أحكام كلامه وتلاوة كلامه ، دون كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته ، ولو حققوا الفرق بين التلاوة والمتلو سلموا وجميع من وافقهم من الجهال الذين سلموا لهم وفق مذهبهم من خلق القرآن معنى ، ومنعوه نطقا ، نعوذ باللّه من الجهل . وسنبين هذا الأمر إن شاء اللّه على الاستيفاء بالكمال ، في مسألة الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء .